يستعرض الصحفيان جيسون بيرك وسفیان طه في هذا التقرير كيف فجّرت خطة إسرائيلية للسيطرة على موقع سبسطية الأثري في شمال الضفة الغربية موجة غضب وقلق واسعَين بين الفلسطينيين، الذين يرون في الخطوة اعتداءً على الأرض والرزق والذاكرة التاريخية، ومحاولة جديدة لتكريس واقع الضم تحت غطاء “الحفاظ على التراث”.
يشير التقرير المنشور في الجارديان إلى أن بلدة سبسطية الفلسطينية الصغيرة، المحاطة بآثار تمتد من العهد البيزنطي مرورًا بالعصر الروماني وحتى فترات إسلامية وعثمانية، وجدت نفسها فجأة أمام قرار إسرائيلي يقضي بمصادرة الموقع الأثري بالكامل المجاور للبلدة، وهو ما أثار صدمة حقيقية لدى السكان.
صدمة المصادرة وتهديد سبل العيش
في نوفمبر، تلقّى محمود عزم، رئيس بلدية سبسطية، إخطارًا من السلطات الإسرائيلية يفيد بالاستيلاء على كامل التل الأثري الممتد بجوار البلدة. ورغم تداول تقارير سابقة عن نية إسرائيل تطوير الموقع سياحيًا، فإن الإخطار الرسمي مثّل نقطة تحوّل خطيرة.
يعتمد معظم سكان سبسطية، البالغ عددهم نحو 3500 نسمة، على السياحة المرتبطة بالموقع الأثري أو على زراعة الزيتون المحيط به. وتطرح الخطة الإسرائيلية إنشاء مركز للزوار وموقف سيارات وسياج يفصل الآثار عن البلدة، ما يعني فعليًا قطع الأهالي عن الأراضي الزراعية وبقايا بساتين الزيتون، وتجريدهم من مصدر دخلهم الأساسي.
يقول عزم إن البلدة “دخلت نفقًا مظلمًا”، معتبرًا ما يجري اعتداءً مباشرًا على الأرض الفلسطينية، وعلى أشجار الزيتون، وعلى التراث والتاريخ الفلسطيني برمته.
أكبر مصادرة أثرية منذ 1967
تمثّل مصادرة نحو 182 هكتارًا من أراضي سبسطية أكبر عملية استيلاء على أرض لأغراض أثرية منذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية عام 1967. ويرى مؤيدو المشروع في إسرائيل أن الموقع مهم تاريخيًا، ويؤكدون أنه كان عاصمة لمملكة سامرة الإسرائيلية في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد، وأنه ظل مهملًا لعقود.
لكن منتقدين فلسطينيين وإسرائيليين يرون أن “التطوير الأثري” ليس سوى ذريعة. فالمساحات المصادَرة تضم أراضيَ مملوكة ملكية خاصة لفلسطينيين، ما يشكّل سابقة خطيرة. ويقول ناشطون إن المشروع يأتي ضمن موجة توسّع استيطاني متسارعة تقودها الحكومة الإسرائيلية الحالية، الأكثر يمينية في تاريخ البلاد.
«تسليح علم الآثار»
يصف ألون أراد، من منظمة “عيمق شافيه” الإسرائيلية، ما يحدث في سبسطية بأنه استخدام انتقائي للتاريخ لخدمة أهداف سياسية. ويؤكد أن علم الآثار يُستَخدم هنا كسلاح، لا بوصفه أداة معرفة. فالمشروع، بحسب رأيه، غير مسبوق من حيث الحجم، ولا يتعلق فعلًا بحماية التراث، بل بفرض وقائع ضم جديدة على الأرض.
وتقود المشروع شخصيات من حزب “عوتسما يهوديت” اليميني المتطرف، الشريك في الائتلاف الحاكم. ويشمل المخطط شق طريق جديد يتجاوز البلدة الفلسطينية كليًا، بحيث يصل الزوار مباشرة من داخل إسرائيل، مع توقّعات بتوسيع مستوطنة يهودية قريبة تبعد نحو كيلومتر واحد فقط عن الموقع.
سردية واحدة مقابل تاريخ متعدد
يرى مسؤولون إسرائيليون، من بينهم وزير التراث عميحاي إلياهو، أن سبسطية تمثل ركيزة من “التراث القومي اليهودي”، وأن المشروع يهدف إلى إحياء الموقع وربط الجمهور الإسرائيلي به. لكن فلسطينيين وباحثين يرفضون اختزال تاريخ المكان في مرحلة واحدة.
تؤكد ولاع غزال، القيّمة على متحف صغير داخل مسجد يعود للقرن الثالث عشر في البلدة، أن سبسطية شهدت استيطانًا متواصلًا عبر عصور متعاقبة. فالمسجد نفسه كان كاتدرائية صليبية، وقبلها كنيسة بيزنطية، ويضم تقليديًا مقام يوحنا المعمدان. وترى أن التركيز على حقبة واحدة يمحو طبقات تاريخية كاملة عاشت فيها شعوب متعددة.
تعاقبت على سبسطية سلطات آشورية ويونانية ورومانية وبيزنطية وإسلامية وصليبية وعثمانية وبريطانية، ما يجعلها شاهدًا حيًا على تاريخ متنوع، لا يمكن مصادرته لصالح سردية واحدة.
القانون الدولي والقلق المتصاعد
ينبّه التقرير إلى أن القانون الدولي يحظر على قوة احتلال تطوير أو تغيير المواقع الأثرية في الأراضي المحتلة. كما أُدرجت سبسطية منذ عام 2012 على القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو باسم دولة فلسطين.
ويخشى السكان أن يؤدي السياج المزمع إقامته إلى عزلهم نهائيًا عن الموقع، وإلى تدمير ما تبقى من النشاط السياحي. يقول محمود غزال، الذي يملك متجرًا ومطعمًا قرب الآثار، إن الخطة “ستأخذ كل شيء”، وستحوّل البلدة إلى مساحة مهمّشة بلا موارد.
ما بين التراث والسياسة
يخلص التقرير إلى أن قضية سبسطية تتجاوز نزاعًا محليًا على موقع أثري، لتكشف عن صراع أعمق حول الأرض والهوية والرواية التاريخية. ففي نظر الفلسطينيين، لا تمثل الخطة حماية للتراث، بل خطوة جديدة في مسار مصادرة الأرض وفرض واقع سياسي بالقوة. ومع تراجع السياحة منذ اندلاع حرب غزة، يتشبث أهالي سبسطية بأمل عودة الزوار، لكنهم يخشون أن تسبقهم الجرافات، وتحوّل تاريخهم إلى ملف مغلق خلف سياج لا يُسمح لهم بتجاوزه.
https://www.theguardian.com/world/2026/feb/02/palestinian-uproar-israel-plan-seize-historic-site-sebastia-west-bank

